القرطبي

176

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومن أحسن ما قيل في تأويل ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) أي لأصدنهم ( 1 ) عن الحق ، وأرغبنهم في الدنيا ، وأشككهم في الآخرة . وهذا غاية في الضلالة . كما قال : " ولأضلنهم ( 2 ) " حسب ما تقدم . وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة : " من بين أيديهم " من دنياهم . " ومن خلفهم " من آخرتهم . " وعن أيمانهم " يعني حسناتهم . " وعن شمائلهم " يعني سيئاتهم . قال النحاس : وهذا قول حسن وشرحه : أن معنى " ثم لآتينهم من بين أيديهم " من دنياهم ، حتى يكذبوا بما فيها ( 3 ) من الآيات وأخبار الأمم السالفة " ومن خلفهم " من آخرتهم حتى يكذبوا بها . " وعن أيمانهم " من حسناتهم وأمور دينهم . ويدل على هذا قوله : " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " . " وعن شمائلهم " يعني سيئاتهم ، أي يتبعون الشهوات ، لأنه يزينها لهم . ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) أي موحدين طائعين مظهرين الشكر . قوله تعالى : قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين قوله تعالى : ( قال اخرج منها ) أي من الجنة . ( مذءوما مدحورا ) " مذءوما " أي مذموما . والذأم : العيب ، بتخفيف ( 4 ) الميم . قال ابن زيد : مذءوما ومذموما سواء ، يقال : ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد . وقرأ الأعمش " مذوما " . والمعنى واحد ، إلا أنه خفف الهمزة . وقال مجاهد : المذءوم المنفي . والمعنيان متقاربان . والمدحور : المبعد المطرود ، عن مجاهد وغيره . وأصله الدفع . ( لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) اللام لام القسم ، والجواب " لأملأن جهنم " . وقيل : " لمن تبعك " لام توكيد . " لأملأن " لام قسم . والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولى ، ولا يجوز

--> ( 1 ) في ج : لأضلنهم . ( 2 ) راجع ج 5 ص 389 . ( 3 ) راجع ج 15 ص 73 . ( 4 ) في ج : مما قبلها . ( 5 ) لا حاجة لهذا القيد : فإن الهمز كاف للفرق بيته وبين الذم .